أحمد بن علي القلقشندي
597
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وصور وغيرها من سواحل الشام ، حين كانت بأيديهم ، قبل أن يغلبهم عليها الفرنج ؛ وكانت جريدة قوّادهم تزيد على خمسة آلاف مقاتل مدونة ، وجوامكهم في كل شهر من عشرين دينارا إلى خمسة عشر دينارا إلى عشرة إلى ثمانية إلى دينارين ، وعلى الأسطول أمير كبير من أعيان الأمراء وأقواهم جأشا ، وكان أسطولهم يومئذ يزيد على خمسة وسبعين شينيّا وعشر مسطحات وعشر حمالات ( 1 ) ، وعمارة المراكب متواصلة بالصناعة لا تنقطع . فإذا أراد الخليفة تجهيزها للغزو ، جلس للنفقة بنفسه حتى يكملها ، ثم يخرج مع الوزير إلى ساحل النيل بالمقسم ، فيجلس في منظرة كانت بجامع باب البحر والوزير معه للموادعة ( 2 ) ، ويأتي القوّاد بالمراكب إلى تحت المنظرة ، وهي مزينة بالأسلحة والمنجنيقات واللعب منصوبة في بعضها ، فتسيّر بالمجاديف ذهابا وعودا كما يفعل حالة القتال ، ثم يحضر إلى بين يدي الخليفة المقدّم والريّس فيوصيهما ويدعو لهما بالسلامة ، وتنحدر المراكب إلى دمياط وتخرج إلى البحر الملح فيكون لها في بلاد العدوّ الصّيت والسّمعة . فإذا غنموا مركبا اصطفى الخليفة لنفسه السبي الذي فيه من رجال أو نساء أو أطفال ، وكذلك السلاح ، وما عدا ذلك يكون للغانمين لا يساهمون فيه . وكان لهم أيضا أسطول بعيذاب يتلقّى به الكارم ( 3 ) فيما بين عيذاب وسواكن ، وما حولها خوفا على مراكب الكارم من قوم كانوا بجزائر بحر القلزم هناك يعترضون المراكب ، فيحميهم الأسطول منهم ، وكان عدّة هذا الأسطول خمسة مراكب ، ثم صارت إلى ثلاث ، وكان والي قوص هو المتولَّي لأمر هذا الأسطول ، وربما تولاه أمير من الباب ، ويحمل إليه من خزائن السلاح ما يكفيه . وأما سيرهم في رعيتهم - واستمالة قلوب مخالفيهم ، فكان لهم الإقبال على من يفد عليهم من أهل الأقاليم جلّ أو دقّ ، ويقابلون كل أحد بما يليق به من
--> ( 1 ) الشينية والمسطحة والحمّالة : سفن حربية . ( صبح الأعشى : 2 / 519 ) . ( 2 ) أي التوديع ؛ وقد جرى فيه وفي كثير غيره على اصطلاحات العامة . ( 3 ) وهم تجار البهار والفلفل ونحوهما كما سبق ورأينا .